السيد نعمة الله الجزائري
27
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
عبد اللّه عليه السّلام ، عن قول اللّه عز وجل ، الأول والآخر ، فقلت أما الأول فقد عرفناه ، وأما الآخر فبيّن لنا تفسيره ، فقال : إنه ليس شيء إلا يبيد أو يتغير أو يدخله التغير من لون إلى لون ، ومن هيئة إلى هيئة ، ومن صفة إلى صفة ، ومن زيادة إلى نقصان ، ومن نقصان إلى زيادة ، إلّا رب العالمين ، فإنه لم يزل ولا يزال ، بحالة واحدة ، هو الأول قبل كل شيء ، وهو الآخر على ما لم يزل ، لا تختلف عليه الصفات والأسماء كما تختلف على غيره ، مثل الإنسان الذي يكون ترابا مرة ، ومرة لحما ، ومرة رفاتا ورميما ، الحديث ، وهو دال على معنى آخر للآخر . « أبصار النّاظرين » أي الرائين أو المتفكرين ، وحينئذ فالأبصار إما جمع بصر ، أو جمع بصيرة ، وجمعية البصر مع كونه مصدرا لقصد الأنواع المختلفة ، وقيل بعدم مصدريته فلا إشكال حينئذ . « وعجزت عن نعته أوهام الواصفين » أي قواهم الباطنة ، لأن التخصيص بهذا المشعر المخصوص اصطلاح حكمي ، ويمكن أن يقال في نكتة التعبير به الإشارة إلى أن العقل لكماله وشرافته لا يحوم حول هذا الحمى ، لأنه لا يتعرض إلا لإدراك ما يمكن ، بخلاف الوهم فإنه هو الذي يدرك ما لا يمكن ولا حقيقة له خارجا ، كإنسان ذي رأسين أو جناحين ، ومع هذا فهو عاجز عن الوصول إلى حقيقة الصفات ، لأنها عين الذات ، أو عن الإحاطة بها لتكثرها ، وقيل المراد أنها عجزت عن نعته بغير ما نعت به نفسه ، أو عن نعت ذاته بمعرفتها بغير الصفات التي وصف بها ، وإرادتهما بعيدة من اللفظ ، وفيه وفي ما قبله رد على ما زعمه مخالفونا ، من أنه يرى في الآخرة بحس البصر ، وفي الدنيا بحاسة العقل ، ولا ينافي هذا قول علي عليه السّلام إني لم أعبد ربا لم أره ، وقوله بل رأته القلوب بحقائق الإيمان ، فإن المراد به الانكشاف التام الحاصل له عليه السّلام في الدنيا ، ولغيره في الآخرة ، وهو غير إحاطة العقل به . « ابتدع بقدرته الخلق ابتداعا ، واخترعهم على مشيّته اختراعا » الابتداع لغة الاختراع لا على مثال ، والاختراع الشق ، وفي الاصطلاح الاختراع الإحداث لا على مثال سبق ، والابتداع الإحداث لا عن مادة ، ولا ينافيه ما ورد ، من